اسماعيل بن محمد القونوي

430

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 72 ] إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ( 72 ) قوله : ( تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة وسماها أمانة من حيث إنها واجبة الأداء ) تقرير للوعد السابق أي تأكيد له ولذا لم يعطف إذ قصد التأكيد ينافي العطف والوعد قوله فقد فاز فوزا عظيما قوله بتعظيم الطاعة بيانها سيجيء بقوله لعظمة شأنها بحيث لو عرضت الخ وسماها أمانة أي استعارة قوله من حيث إنها واجبة الأداء بيان وجه الاستعارة . قوله : ( والمعنى ) شروع في بيان معنى الآية على وجه يستفاد منه أن الكلام مسرود على وجه التمثيل الذي خيل به المعقول محسوسا والمتخيل محققا . قوله : ( إنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام وكانت ذات شعور وادراك لا بين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان مع ضعف بنيته ورخاوة قوته ) أنها أي الطاعة بدنية كانت أو مالية أو مركبة وجودية كالمأمورات أو عدمية كالمنهيات لأنها أصعب اجتنابها من فعل المأمورات لعظمة شأنها أي لعظمة معنوية لأنها ثقيلة على النفوس سوى النفوس الفاضلة الخاشعة المطمئنة وعظمتها بلغت مبلغا بحيث لو عرضت تلك التكاليف الشاقة على هذه الأجرام العظام أي بدون أمر والحال أن تلك الأجرام ذات شعور بالأمور الجزئية وادراك بالأمور الكلية لا بين أن يحملنها لخوفها من مراعاتها على وجه ما شرع اللّه تعالى وعن هذا عطف عليه قوله : وَأَشْفَقْنَ مِنْها [ الأحزاب : 72 ] فلا عرض والإباء والاشفاق حقيقة بل الكلام استعارة تمثيلية شبهت حالة الإنسان وهيئته المحققة وهي ما كلفه من الطاعة بحالة مقدرة مفروضة إذ المشبه به لا يجب أن يكون محققا فذكر اللفظ الموضوع للمشبه به وأريد المشبه ولا استعارة ولا المجاز المرسل في مفرداتها بل باقية على حقيقتها . قوله : ( لا جرم فاز الراعي لها والقائم بحقوقها بخير الدارين ) لا جرم فاز الراعي الخ فيه إشارة إلى ما مر من أن هذا القول تقرير للوعد السابق وهو الفوز العظيم إذ الفوز العظيم في مقابلة التعب الجسيم وهو التعبد بالتكاليف الشاقة وكونه تعبا عظيما إنما يظهر بالتمثيل المذكور فإن تلك التكاليف لما كانت ثقلها بتلك المرتبة أي بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام لا بين منها تبين أن الراعي فيها يفوز فوزا عظيما وظهر كونه مقررا للوعد السابق ظهورا تاما . قوله : تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة الوعد السابق هو الوعد بإصلاح الأعمال والإثابة عليها وبمغفرة الذنوب للمؤمن المتقي القائل قولا سديدا والوعد بالفوز العظيم لمن يطيع اللّه ورسوله والظاهر أن المراد بالوعد الوعد بالفوز العظيم للمطيع على الطاعة فإن الوعد بالفوز العظيم للمطيع يدخل فيه الأول ويدل عليه ما في الكشاف حيث قال لما قال : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الأحزاب : 71 ] وعلق بالطاعة الفوز العظيم اتبعه إنا عرضنا الأمانة وهو يريد بالأمانة الطاعة فعظم أمرها وفخم شأنها .